حسن ابراهيم حسن

465

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

الملحق الثاني سياسة يعقوب بن الليث الصفار « 1 » « كانت سياسة يعقوب بن الليث لمن معه من الجيوش سياسة لم يسمع بمثلها فيمن سلف من الملوك من الأمم الغابرة من الفرس وغيرهم ممن سلف وخلف ، وحسن انقيادهم لأمره واستقامتهم على طاعته ، لما كان قد شملهم من إحسانه وغمرهم من بره وملأ قلوبهم من هيبته . . واتخذ لنفسه عريشا من خشب يشبه السرير حيثما توجه من مسيره ، فيكثر الجلوس عليه ويشرف منه على أهل عسكره وعلى قضيم « 2 » دوابه ويؤمن الخلل من وكلائه ، فإذا رأى شيئا يكرهه بادر بتغيره . وقد كان انتخب من أصحابه ألف رجل على اختيار لهم ، والغنى الظاهر منهم والنكاية في حروبهم ، فجعلهم أصحاب الأعمدة الذهب ، كل عمود منها فيه ألف مثقال من الذهب ، ثم يليهم في اللباس والغنى فوج ثان أصحاب الأعمدة الفضة . فإذا كان في الأعياد أو في الأيام التي يحتاج فيها إلى مباهاة الأعداء والاحتفال ، دفع إليهم تلك الأعمدة ، وإنما ضربت هذه الأعمدة للنوائب . « وسئل بعض ثقاته ممن ينظر حاله عن أشغاله في خلواته وعن مجالسته مع أهل بطانته وهل يسير مع أحد أو يجالسه ، فذكر أنه لا يطلع أحدا على سره ، ولا يعرف أحد بتدبيره وعزمه . و [ يكون ] أكثر نهاره خاليا بنفسه يفكر فيما يريده ، ويظهر غيره ما يضمره ، ولا يشرك أحدا فيما يريده برأي ولا غيره . وإن تفرجه واشتغاله بغلمان صفار يتخذهم ويؤدبهم ويحرجهم ويدعوهم ويدفع لهم ما قد عمله لهم من السيور يتضاربون بها بين يديه ففي هذا أكثر شغله إذا فرغ من تدبيره . ولما وقع الصفار الحسن بن زيد الحسيني بطبرستان ، وذلك في سنة ستين ومائتين ، وقيل سنة تسع وخمسين ومائتين ، وانكشف الحسن بن زيد وأمعن يعقوب في الطلب ، وكانت معه رسل السلطان قد قصدوه بكتب ورسالة من المعتمد وهم راجعون في طلب الحسن بن زيد ، قال له بعضهم لما رأى من طاعة رجاله وما كان منهم في تلك الحرب : ما رأيت أيها الأمير كاليوم ؟ قال له الصفار : وأعجب منه ما أريك إياه ، ثم قربوا من الموضع الذي كان فيه عسكر الحسن بن زيد ، فوجدوا

--> ( 1 ) المسعودي : مروج الذهب ج 2 ص 443 - 445 . ( 2 ) قضيم الدواب : صوتها وهي تأكل ، من قضت الدابة الشعير أي كسرته بأطراف أسنانها .